فخر الدين الرازي
191
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء . واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئاً متشابهاً ، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى ، علم حينئذ قطعاً أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن . ثم حكي عنهم أيضاً أنهم يقولون * ( كل من عند ربنا ) * والمعنى : أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا ، وفيه سؤالان : السؤال الأول : لو قال : كل من ربنا كان صحيحاً ، فما الفائدة في لفظ * ( عند ) * ؟ . الجواب ؛ الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد ، فذكر كلمة * ( عند ) * لمزيد التأكيد . السؤال الثاني : لم جاز حذف المضاف إليه من * ( كل ) * ؟ . الجواب : لأن دلالة المضاف عليه قوية ، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل . ثم قال : * ( وما يذكر إلا أولوا الألباب ) * وهذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به ، ومعناه : ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة ، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن ، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكماً ، وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهاً ، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل ، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى ، وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية ، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ، وتوافق اللغة والإعراب . واعلم أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس ، فكذلك مفسر القرآن متى كان موصوفاً بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه ، ومتى تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول ، وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " .